أحمد ايبش
78
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
قال : فمات في الطريق ، ففعلت ما أمرني به ، وكان معي أربعة جمال وحمارة ، فأوسقتها كلها مالا من المغارة ، وسرت بعض الطريق . وكانت معي مخلاة فنسيت أن أملاها من ذلك المال وداخلني الشّره ، فقلت : لو رجعت فملأت هذه المخلاة . فرجعت وتركت الجمال والحمارة في الطريق ، فلم أجد المكان الذي أخذت منه المال ، فدرت فلم أعرف ، فلما يئست رجعت إلى الجمال والحمارة فلم أجدها . فجعلت أدور في البريّة أياما فلم أجد لها أثرا ، فلمّا يئست رجعت إلى دمشق وقد ذهبت الجمال والحمارة فلم أحصل على شيء . وألجأني الأمر إلى ما ترى يا أمير المؤمنين ، فها أنا أعمل كل يوم في التراب بدرهم ، فكلّما تذكّرت بكيت . فقال له الوليد : لم يقسم اللّه لك في تلك الأموال شيئا ، وإليّ صارت فبنيت بها هذا المسجد . وفي غربي دمشق لأقل من ميل منها قصر الإمارة « 1 » ، وهي مدينة مسوّرة ، ولها بابان كبيران ، يسمى أحدهما باب الرّبوة والثاني باب حوران ، وبينهما أبواب كثيرة تسمى الخوخات . وفيها مسجد جامع متقن إلا أنه لا يبلغ إتقان مسجد المدينة الكبرى ، وفيها أسواق كثيرة . وبين قصر الإمارة والمدينة بساتين وأنهار جارية ، وعلى قصر الإمارة قبّة حمراء مشرفة ، ويحيط بقصر الإمارة نهر من جميع جوانبه . وجبل اللّكام « 2 » جبل شاهق لاصق بمدينة دمشق ، وبينهما نهر عليه قنطرة لطيفة ، وهي تسقي بساتين الغوطة . وثنيّة العقاب على مقربة من مدينة دمشق تسير من الثنيّة في قرى النّصارى حتى تفضي إلى باب توما . والخضراء من دمشق كان ينزلها معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنه .
--> ( 1 ) هذا وصف نادر للغاية للقصر الأبلق الذي بناه الظاهر بيپرس عام 665 ه ، في موقع التكيّة السّليمانية في أيامنا . والتفاصيل التي يذكرها فريدة جدا لا نجد مثالها لدى سواه ، حول أبوابه ومسجده وأسواقه وقبّته الحمراء . فعمّن نقل الرّجل هذه الأوصاف كلها ؟ ! ( 2 ) هذا غلط فاللّكام ( الأمانوس ) من جبال السّاحل ، والصواب جبل قاسيون المعروف من سلسلة جبال سنير . أما الثنيّة فهي المعروفة ب « طلوع الثنايا » على طريق حمص .